ادب ونقد

تراجيديا العتمة تتحدي النهايات الحزينة في شبكية الفيل

تراجيديا العتمة تتحدي النهايات الحزينة في شبكية الفيل

Spread the love

تراجيديا العتمة تتحدي النهايات الحزينة في شبكية الفيل … تأملات سريعة في قصة سمير الفيل.

بقلم : الدكتور احمد الحسيني .

شبكية هو المدخل الذي يمهد لنا تأمل التشابكات الحداثية و ماتنطوي عليه من مفارقات تجعلك تضحك وأنت مفعم بالألم وغارق في البكاء ..فالراوي الذي هو الكاتب يفصح عن وجوده دون حرج ..لأنه الراوي الواقعي الذي يسرد تجربة واقعية أشار اليها في مفتتح بسيط عندما قام بإهداء المسرودة الي طبيب العيون .فهو الذي دفعه لتسجيل هذه المأساة في هذا القالب الفريد .

تعج المسرودة ذات المساحة الطباعية المحدودة ..بمشاهد وشخصيات ومواقف لا يمكن التحكم في صياغتها إلا الراوي المشارك القادر علي تجسيد ذاته بكل اقتدار ..الأمر الذي يثير أشجان القاريء ، والذهاب الي مسارات السرد ودهاليزه بتشوق غير مسبوق ..فالبكاء المكتوم له صوت لا يقل عن صوت الضحك الذي يصاحب الراوي وهو يسخر من أشياء كثيرة تتجاوز الذات لتصل الي الواقع بكل تناقضاته .وكأني بالكاتب يدخل خلوة الغلبان عند ابراهيم أصلان ..يحكي ويصف ويصنع الحوار في تراجيديا انسانية تؤرخ لمعاناة الكاتب وصراعات تعود الي سنين وسنين ..ويبعث فيها الأب الذي مات والأم الحنون ..ويمزج الواقعي بالمتخيل ..والعرائس الخشبية بالناس المتحركين ..والنور بالظلام ..وهكذا …

البداية بالإظلام ..والنهاية تتحدي الظلام ……..

بضمير المتكلم تبدأ المسرودة عندما يعلن الراوي عن فقدان الرؤية بعينه اليمني فجأة ..وفي جملة الختام نجده يتحدى العمي ..عمي البصر لأنه يمتلك نور البصيرة الابداعية فيقول :

” وبقيت فاتحا عيني المعطوبة علي ظلام العالم البارد الغبي “.

هذه هي البصيرة ، وبالأحرى رؤية العالم التي يتجه النص لبلورتها ..وليست هي الرؤية الناجمة عن كتابة (شبكية ) فحسب بل الناجمة عن جل أعمال سمير الفيل القصصية ..ولذلك كانت لحظة العطب هي لحظة اختزال كل مشاعر الكاتب ولوعة أبطاله علي مر السنوات الماضية .

ولا ادل علي ذلك من قول الراوي بعد محاولة تشغيل عينه اليسرى : ” كانت المرئيات مشوهة …وجدتني أبكي بلا صوت ….نهنهة أعادتني الي زمن الطفولة ..” و ” أزور قبر أبي …وددت أن أذهب الي أمي ” ثم تأتي الكوميديا : ” دفن الجثة بعينين أفضل من عين واحدة ” ، ثم التناص مع قصة صديق ( قصة يوسف القط الذي مات بالجنون ) ..وكذلك المزج بين ممارسات الطبيب المحكمة وحركات الممرضة التي تجسدت عبر كاميرا السرد ، تحرك الشاي بالملعقة علي طاولة في طرف الغرفة .” . وأيضا وضعية طلاب الطب وهم يتلقون الدرس علي المريض النموذج بطل السرد ..والمضحك أن الطالب الملتحي يضع يده علي كتف الفتاة الشقراء ويستمتع بالوقوف خلفها ..لاحظ المفارقة أيها القارئ الواعي ..ولاحظ المفارقات المنتجة لدلالات النص .

وتتكثف المشاهد والمرئيات في المكان ..المغلق والمكان المفتوح باقتدار ..فالمكان ينفتح بخروج الراوي الي الشارع ثم يعود لنصف الإغلاق حيث السيارة التي سوف ينظر الي العالم من وراء زجاجها بعينه السليمة ..ويقول ” دققت كثيرا ” .. ..ثم يأتي بمواقف علي سبيل التذكر ..وكلها لاستجلاء صورة الطفل الذي كان في سبيله للتعرف علي مفارقات الواقع بكل حمولاته البائسة ..ويصبح الزمن ممتدا ليستوعب أزمان السرد كلها عند الفيل حتي انتهي النص نهايته التي جسدت التحدي بالبصيرة كما وصفناها سابقا ..

لعل البكاء يتبدد ويزول بعد قراءة هذه التراجيديا السردية الرائعة ..ولا نملك للكاتب غير الشكر والتقدير والدعاء بدوام الابداع .

بارك الله في عمرك ، ومنحك كامل الصحة أيها المبدع الفريد : سمير الفيل .

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق